لماذا
نثر؟
ما الجديد الذي يمكن
أن يضيفه موقع أو مجلة إلكترونية متخصصة بقصيدة النثر وشؤونها وظواهرها إلى ساحة
النشر الإلكتروني؟ وما هي
الحاجة التي يمكن أن يلبيها؟ وقبل كل شيء ما الهدف منه؟
أسئلة كثيرة من هذا
القبيل طرحتها على نفسي، وطرحها عليّ أصدقاء كنت كشفت لهم عن فكرة إطلاق هذا الموقع
الإلكتروني.
على الرغم من أن جذور
النثر عميقة في ثقافتنا، فإنه لم يحصل مرة أن احتل كل هذه المساحة من الخطاب الشعري
العربي. ولم يحصل مرة أن استحوذ على كل هذا الاهتمام، وأثار من حوله كل هذا الضجيج
في تاريخنا الثقافي. لذا علينا أن نؤشر إلى أن قصيدة النثر أصبحت تشكل ظاهرة متنامية
وفريدة في الثقافة العربية، انتشرت انتشاراً واسعاً منذ انطلاقها في ستينيات القرن
الماضي على أيدي نخبة من الشعراء المجددين: أنسي الحاج وأدونيس ويوسف الخال وتوفيق
صايغ وجبرا ابراهيم جبرا وسركون بولص وفاضل العزاوي وصلاح فايق وحسين مردان، ولم
يعد بالإمكان لأي راصد للشعرية العربية أن يتجاوز هذه الظاهرة، أو يهملها.
ثم
إن هذا
النوع من الكتابة المتحررة من ضوابط ومستلزمات البيت الشعري العربي التقليدي، أو
رديفه (البيت التفعيلي) باتت تستقطب أصواتاً شعرية كثيرة، وأصبح لها رواد ومريدون، ومثلما هاجمها الكثير من المثقفين والشعراء والكتاب، دافع عنها عدد لا
يستهان به من المثقفين والشعراء والكتاب. وما الضجة التي أثارها هجوم الشاعر المصري
أحمد عبدالمعطي حجازي في كتابه (القصيدة الخرساء) الذي صدر مؤخراً ضمن سلسلة كتاب
دبي الثقافية، إلا نموذج مختزل لهذا الحوار الصاخب دائما، والمشوّه أحيانا، بين المختلفين حول
قصيدة النثر.
كما أن الإهمال الذي
عانته قصيدة النثر نقدياً، على رغم شيوعها إعلامياً، أدى إلى انفلاتها من كل أشكال
الضبط، وعانت من سوء الفهم والتفدير من مريديها ومعترضيها على حد سواء، وتحولت في
الكثير من نماذجها إلى منولوغات وبكائيات لا تعني أحداً
سوى كاتبها.
صحيح أن الشعرية
العربية مرت وتمر منذ أقل من قرن، بانعطافة حادة في مقاربتها لمفهوم الشعر، من خلال
اتصالها بفضاءات الأدب والفن في الثقافات المجاورة، وتخلصها من الكثير من الشوائب
والزيادات التي كانت تفرضها مفاهيم وقيم سادت لأكثر من ألفي عام، كالغرضية،
والتطريب، والشفاهية، إلا أن هذه التحولات مازالت تبحث عن طينة مناسبة لإطلاق
جذورها في أعماق الأرض، وهذا لن يحصل، ولن يكتمل إذا حصل، إلا بتثبيت ورصد ما تم
إنجازه، ومحاولة البناء عليه.
هذا الموقع إذاً، لا
يدعي إعلان سلطة ثقافية باسم قصيدة النثر، ولا يرمي إلى مديحها، ولا يهدف إلى هجاء من
يعارضها، ولا يسعى إلى أن يصبح بوقاً لكل من رفع لواءها. أو طرفاً في الجدل المضحك
الدائر حولها، إنما يريد أن ينصب فناراً لرصد هذه الظاهرة الثقافية، ويعمق الحوار
الهادئ والمثمر والممتع حولها، كما سيجتهد في تقديم أفضل ما يتوفر له من تجاربها
القديمة والجديدة، وملاحقة تجلياتها في
الكتابة الشعرية الجديدة، أو ما ينتج عنها من رؤى وأفكار وآفاق في مختلف ثقافات
العالم.
أتمنى أن أكون قد
حددت هدفي بوضوح.
مثلما أتمنى أن يكون
الهدف واضحاً لمن يرغب في أن يكون مشاركاً منتجاً أو متصفحاً فعالاً لأروقة هذا
الموقع.
يحيى البطاط
25/3/2009