|
كتّابها يعدون على أصابع اليد
الواحدة
تجربة قصيدة النثر في الأردن
عثمان
حسن
مع تشكل حركة الحداثة في الشعر العربي في منتصف
القرن الفائت وظهور مصطلح قصيدة
التفعيلة، ومن ثم قصيدة النثر، شهدت
العلاقة بين النقد والشعر حالة مضطربة
لا تزال قائمة حتى الآن، من جهة أخرى،
فإن الذائقة العربية باتجاه الشعر
برمته، قد تراجعت مع ظهور وسائل خطاب
جديدة كالسينما والمسرح والصورة، هذا
عدا عن فتور الإحساس بأهمية الأدب
بشكل عام وعجزه عن مجاراة الواقع في
ظل العولمة التي حرقت المراحل، وكرست
فهماً جديداً قلب الموازين، وأحدث
مزيداً من التشوهات في علاقة الانسان
مع الانسان، ومن ثم التأثير في مسلمات
هدوئه واستقراره.
هذه المقدمة ضرورية للولوج إلى عتبة الشعر في
الأردن، وبالأخص قصيدة النثر، التي
برغم انتشارها عربياً، فإن من
يكتبونها من الأردنيين بإخلاص منقطع
النظير لا يتجاوزون عدد أصابع اليد
الواحدة ومن هؤلاء نذكر: زياد عناني
وأحمد عقل وتحسين الخطيب وجهاد هديب
وعثمان حسن وحسين جلعاد، أما من
النساء فنذكر رانة نزال وسناء
الجريري.
وقبل المباشرة في تقديم مقاربة انطباعية عن تجربة
هذه الفئة من شعراء قصيدة النثر في
الأردن، لا بد من توصيف موجز لقصيدة
النثر، التي يقال فيها الكثير، ليس
أقله أنها غربية المنشأ، وهذا الوصف
يبدو وصفاً غير دقيق، ويفتقر إلى فهم
أسس الثقافة التي يتم تقسيمها إلى
شرقية وأخرى غربية، وهذا الفهم القاصر
يدل على سذاجة في الطرح، مردها
الاحساس بالدونية، واعتبار ان الثقافة
الغربية خالصة او نقية، في حين انها
بنت انجازاتها على التراكم، بل ان
هؤلاء قد نسوا، أن هذه الثقافة قد
استفادت من المنجزات الحضارية العربية
في عز أوجها وازدهارها، تماماً كما
استفادت العربية من علوم وثقافات
الآخرين.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الإيمان بالتعدد
ضرورة للخروج من دائرة الاستهداف
والايمان بأن الثقافة هي كائن حي قابل
للتطور والتعاطي مع منجزات ومفردات
الحضارة بصرف النظر عن منشئها أو
أصلها، وفي ذلك يجب وقف تهمة الانتساب
- أي انتساب قصيدة النثر - إلى الغرب،
هذه التهمة التي راجت ردحاً طويلاً،
وكأن ثقافتنا العربية ثقافة منقاة،
يجب الحفاظ على حرزها العاجي واغلاق
بوابات ونوافذ الآخرين عنها أو إليها،
وفي هذا منتهى القسوة التي لا تليق
بالثقافة العربية التي هي بنت أصيلة
لتراث خالد من المقدس القرآني والتراث
الصوفي وعيون منتخبات النثر العربي
الذي لا تزال آثاره قائمة إلى الآن.
ومن المفيد في هذا المقام القول، ان قصيدة النثر
تليق بالقراءة أكثر من الاستماع، وهي
تكتب من الهامش إلى الهامش على سطح
الورقة، كما أنها تخاطب العين وليس
الأذن، لذا فهي تليق بالكتابة أو اكثر
من إلقائها شفاهية، وهي ذات ميزات
كثيرة أبعد ما تكون عن القافية والوزن
والصيغ والقوالب اللغوية الشفاهية.
وهي قصيدة محكومة إلى سطح بياض الورقة لتولد
إحساساً بالزمن، وايضاً إلى علامات
الترقيم بغية حصول التوهج والانفعال،
وهي غير قابلة للتجنيس، وذات زمن خاص
بها، لا يتطابق بالضرورة مع الزمن
الخارجي.
إنها قصيدة تعتمد بشكل رئيسي على إيقاع داخلي يعوض
الموسيقا الخارجية المعروفة في أوزان
الشعر العربي الكلاسيكي، وهو ايقاع
متغير تبعاً لتوتر النص (القصيدة)
التي تفضي إلى الصورة والفكرة
والمفردة التي تولد الدلالة، وايقاعها
ذو شمولية تتجاوز الوزن الخارجي.
قصيدة النثر ذات دلالات كثيرة، ومعانيها متحركة،
كما أنها قصيدة تعرف بوحدة اجزائها،
التي تنصهر فيها أنا الشاعر وأنا النص
(الشعرية) وأنا العالم الخارجي في
النماذج الشعرية المقترحة تالياً، يجب
الاتفاق أولاً، أن أي مقاربة لهذه
النصوص الشعرية، هي مقاربة خارجية، لا
تدعي الدخول إلى جوانيّة النصوص، او
تحاول تفسيرها.
وفي هذا تأكيد أن الادعاء النقدي مهما كان ضعيفاً،
هو في نهاية المطاف أقل شأناً من
تتبعه حركية الابداع الشعري، الذي
يتداخل مع الذاتي المضمر وإن حاول
الافصاح عن بعض سره المتشكل في
الدلالة التي يمكن القبض عليها هنا أو
هناك.
يقول أحمد عقل في قصيدة “الاسكندر المقدوني”:
“السيوف التي خبأها الاسكندر
ما زالت في اغمادها
تحتفظ بلمعان الماضي وسطوته
مخبأة لزمان غير هذا
لقد كتب الاسكندر التاريخ بقرنيه”
هذا النص يبدو بسيطاً في كلمته، ورشيقاً في معانيه،
لكنه يخترق زمنين ويأخذ المتلقي إلى
دلالة واحدة ظاهرة حين يقول:
“كتب الاسكندر التاريخ بقرنيه”
لكن قراءة ثانية وثالثة، حتماً ستفضي إلى ما هو
أكثر من الدلالة المكشوفة، بمقدار ما
في هذا الاختزال من كثافة تتلبس
الدلالات ومعانيها غير المحسوسة،
كأنها “شيفرة” تقول ما تريد ان تظهره
ليس إلا، في حين تتراقص بين الكلمات
فضاءات اخرى، لا يمكن القبض عليها إلا
بالدخول في زمن انبثاق الفكرة الدالة
حتى نهايتها.
نموذج آخر لرانة نزال التي أصدرت أكثر من ديوان
شعري مثل “مزاج أزرق” و”بيت العين”
تقول في قصيدة بعنوان ديوانها “بيت
العين”:
“أظهر سرك فيك، ولنقتسم الحيرة، لنغسل في طاسها إرث
الشارة، لنرتد الوجه كله، لنتمكن من
تلوينه ولتفهم اتصالك، لا محل يجلي
الظلام، هو الطريق نعرف ماءه بمائه،
باشباحه المسوّاه، بالمنازل الأخرى
التي تخصنا”.
تقدم رانة نزال في هذا النص اشارات عديدة لأطياف ما
تلبث ان تجلي مرآتها - مرآة الأنثى -
في حجب واسرار، لا يمكن القبض عليها،
وكأنها مجرد ايماءات جامحة من سطور
وكلمات تنكشف قليلاً، لكنها سرعان ما
تختفي في طقوس بعيدة ومرام أخرى من سر
الأنثى.
الشاعر جهاد هديب الذي اصدر اكثر من ديوان يقول في
قصيدة “الملاك” من مجموعة “غروب كثير
يمر في التخوم”:
“صار جميلاً تحت قوسها. لما رشفته بضوء تفتتح جناحه
وهفا.
غنت فأضيء طريق خطاه. هناك أشعلت ناراً فيه وأخرى
حوله.
ظل جميلاً له وجه هلال يلتذ من جوع ويلتذ ببرد”.
وهذا النص مكتوب بامتياز وحرفية يحافظ على شكل
كتابة القصيدة النثرية.
ومن حيث المضمون ثمة مستويات متعددة للنظر إليه،
ليس بوصفه يصور علاقة مثالية بين
اثنين، علاقة من التوهج واللذة والضوء
والنعيم، ولكن أيضاً بالنظر إلى تقنية
اللعب في متن الكلام الذي يوثث النص،
فهو يباشر تصوير مشهد جميل، ثم يتوقف
للحظة، حتى يزيده جمالاً عبر مشهد ثان
وثالث، حتى يترسخ في صورة اخرى تسقط
فيها دلالات متعددة تخدم الفترة
الرئيسية في النص.
أما زياد عناني الذي ينحاز دائماً لقصيدة النثر،
فغالباً ما يتم القبض عليه متلبساً
قصيدة جديدة، فهو شاعر متمرد على
ذاته، ودائماً ما يخبئ تحت معطفه
قصيدة تتوجس من البرد فيدفئها بحنان
طاقته العالي، أو يكاد يتفجر بقصيدة
اخرى من عبث الصحراء، فيلمها في غطاء
عينيه مبللاً أطرافها بالحنو، لتنزل
في صورة دمعة تتمرأى في الشفق وتبرق
من غيم المعنى والدلالة.
وهكذا بالسنبة لتجربة الاسماء الأخرى التي يمكن
الكتابة عنها وحولها الشيء الكثير.
في ختام هذه المداخلة، يمكن القول إن
قصيدة النثر الأردنية، تقف في موازاة
مثيلاتها من التجارب العربية، لكنها
تتمتع بخصوصية كونها شامية الملامح،
كما هو حال خصوصية التجارب المصرية
والعراقي والمغربية، وبرغم كون كتابها
قليلي العدد في الأردن، فإن مساهماتهم
في الحراك الثقافي المحلي وأيضاً
العربي، ينشط يوماً بعد يوم، كما يفيد
ويستفيد، ويتطلع نحو توليف تجربة بدأت
تأخذ حيزاً قوياً في الساحة الشعرية
العربي
|