The Arabic prose Poem




 

قصيدة النثر فـي سوريا
دمشق - وائل قيس - محمد عيسى
 

تعتبر قصيدة النثر احدى اهم سمات الحداثة الشعرية الجديدة، وشعراؤها وروادها كثر ولكن أزمة  هيمنة الشعراء المخضرمين لم تترك لهم الفرصة للبروز في الساحة الشعرية، يقول أوشو:« لو سألت سمكة: ماذا يشبه البحر؟ فستجيبك: هذا هو البحر.. إنه في كل مكان، وهذا كل شيء.» وقد يكون هذا هو التعريف الأقرب لقصيدة النثر، فهي القصيدة الغامضة، الواضحة، الغاضبة، المصالحة، هكذا فرضت نفسها وبشكل قوي على الثقافة العربية، ويعود الفضل في رسم الخيوط الأولية لقصيدة النثر إلى رواد الحركة الشعرية في فترة الستينيات من القرن الماضي، أولئك الذين استطاعوا أن يحدثوا حالة استثنائية في تاريخ الثقافة العربية بإصدارهم مجلة (شعر)، المجلة التي كانت تعد الناطق الرسمي بإسم قصيدة النثر،

ما أضفى كماً هائلاً من الحداثة الشعرية على الحالة الثقافية في ذلك الزمن، وبدأت قصيدة النثر حينها تفرض هيمنتها، وتمارس سلطتها على الجمهور الثقافي، إلا أنه ومع تقدم الزمن بدأت هذه الأسماء تمارس سطوتها على الساحة الشعرية العربية ما جعلها تبرز كدكتاتوريات شعرية، مازالت إلى الآن تفرض نفسها وبقوة على المشهد الشعري العربي، ونتج عن هذه الديكتاتورية ابتعاد الشعراء الشباب عن  الجمهور، الشعراء الذين اختاروا النثر طريقا لإبداعهم، وكان ذلك الابتعاد بمثابة ولادة فعلية لأزمة شعرية يشهدها الوضع الثقافي الراهن، وقد كان للجمهور دور بارز في تكريس سطوة هذه الأسماء وجعلها تبرز على أنها القامات الشعرية الوحيدة ولا يوجد أي بديل لها، ونحن هنا لا نقلل من شأن هذه الأسماء إنما مانريده هو فسح المجال للإبداعات الجديدة، ومن منظور ثانٍ تم النظر إلى قصيدة النثر على أنها تشن حرباً ضد القصيدة التفعيلية والعمودية، وأنها جاءت دخيلة على الثقافة العربية، مع أن الناقد المصري جابر عصفور يقول في أحدى محاضراته أن قصيدة النثر كان لها« جذور في الثقافة العربية والتراث العربي، كنصوص المتصوفة وأبي حيان التوحيدي وسواهم، وجميعها نصوص حين نمعن في قراءتها نجدها شعراً خالصاً، وذات إيقاع وموسيقى هادئة، لكن أصحابها ما كانوا يعرفون مصطلحنا الجديد».
ربما يكون عصفور قد استطاع أن يعيد شيئاً لهذه القصيدة من خلال كلامه الدفاعي عنها... ومن هذا المنطلق تم التوجه إلى الشعراء الشباب وسؤالهم عن مصير قصيدة النثر في الثقافة العربية، ومدى تجاوب القراء معها؟ ماهو موقف الشعراء الشباب من الشعراء الكبار؟ مامدى التأثير الذي يفرضه التابو الديني على إبداعاتهم؟ كيف ينظرون إلى وضعهم كشعراء؟
 كانت لنا هذه المغامرة مع بعضهم في هذا الحوار المنوع حول قصيدة النثر والمشهد الشعري الجديد، لتعريف المثقف والقارئ العربي بهذه الشريحة من الشعراء الشباب الذين كانوا ضحية الاسماء البارزة في قصيدة النثر والتي تهيمن على الساحة الشعرية العربية، و اللافت في هذا الموضوع هو الحماسة التي ظهرت عليهم عندما طرحنا عليهم هذا الموضوع، وإليكم الحوارات كاملة:
 

علي جازو شاعر وكاتب
مع تصاعد الحركة الشعرية الشابة، هل بدأت الديكتاتوريات الشعرية بالانحسار وأصبحت الساحة مهيأة للأصوات الجديدة؟
 حسناً، أعتقد أن ثمة خلطاً في السؤال بين مؤسسات الثقافة المحكومة من قبل الدولة والقائمين عليها أو ما أسميته بالدكتاتوريات الشعرية، وبين روح التجدد الشعري. لا شكَّ في أن الجديد يفرض نفسه ليس لكونه جديداً فحسب. إن قوة الشعر و فرادته من قوة الفكر النابض خلفه. كل قصيدة قوية بالضرورة تنتج عن حكمة عميقة. بهذا المعنى فإن الأصوات الجديدة تجاوزت الأطر الثقافية الرسمية بل إنها جعلت المؤسسات الرسمية، المعروفة بتصلبها و اهتراء رؤاها الفنية، ترضخ وتضطر للتعامل بل الاحتفاء بما تقدمه الأصوات الشابة التي تمر بمرحلة تحمل في طياتها تحولاً على كل صعيد. وتعتبر الساحة الشعرية السورية مليئة بطموحات شعرية شديدة التنوع والاختلاف. أعتقد أن الرهان لا يصح بالمعنى الجمالي إذا كان مسعى الأصوات الجديدة يرتكز بالأساس على إزاحة (الكهول). لا ينبغي للصراع الجمالي في الشعر أن يسقط في فخاخ العلاقات الشخصية أو الحصول على مكاسب بالمعنى السلبي للكلمة. ثم إن القديم والكهل ليس بالمجموع والعدد. إنه أيضاً يحتاج إلى إعادة قراءة. نفتقر إلى حركة نقدية تحليلية تستطيع مواكبة المنجز الشعري الجديد ولكن ليس على حساب إلغاء ما تم سابقاً. الشعر فعل تراكمي واللحظات النقدية تنتج تقاطعات مستمرة. إن قدرة الأجيال الجديدة لن تنتج ثراء شعرياً ما لم يرفد ذلك بحركة نقدية واسعة تنظر فيما تنظر إلى أساليب تدريس الشعر في المدارس والمناهج المعتمدة. الكثير من القديم والكهل لم يقرأ بالأساس.
 ماهي علاقة شعرك بالفنون الأخرى؟
- تأثري بالفنون الأخرى جاء بدايةً بالسينما كونها فن الصورة بامتياز. السينما كثافة هائلة والشعر كذلك تعبير مكثف عن المشاعر والأفكار. كذلك هو الأمر بالنسبة للفلسفة. قراءة نيتشه وهايدغر جعلتني أنظر بخجل إلى الشكل الذي أكتب به.
 

رائد وحش شاعر وصحفي
الحداثة الشعرية أخذت منحى واسعاً في شعر الشباب، لماذا هذا الابتعاد عن قصيدة التفعيلة؟ هل سببها معرفي ولغوي؟
ـ أعتقد أن إقبال الشباب الكبير على قصيدة النثر مرده لكونها تتيح لهم مساحة كبيرة من الحرية للتعبير عن الذات، لم يعد في مقدور قصيدة التفعيلة أن تتيحها، لكن هذا لا يعني بحال من الأحوال أنّها (قصيدة التفعيلة) قد انتهت، فما دام هناك شعراء أفذاذ يكتبون بها قصائد فذة فهذا وحده سبب كاف لنحمل لها كل الحب.
المشكلة مع القصيدة المفتعلة والفارغة، وليس مع الشعر، تفعيلياً كان أم نثرياً. المشكلة مع ما يطرح على أنه شعر ولا تعرف منه سوى أنه مجرد كلام فارغ.
لا أعتقد بأفضلية شكل على آخر. الأشكال الفنية وجدت لتتحاور لا تتناحر. وربما تسود قصيدة النثر الآن لأننا في زمن نثري بامتياز.. زمن فوضوي ومكركب.. زمن لا يستطيع كتابته إلا النثر بمنطق الشعر، أي باللامنطق..
ما هو مدى التواصل مع جمهور المتلقين؟
أظنه سؤالاً كبيراً على شاعر شاب، بدأ تجربته منذ سنوات قليلة!! لكني، ومن أجل الأمانة، أقول بأن التلقي خارج أوساط"أهل الكار"لا يزال في مناطق بعيدة ونائية، فالناس لا يزالون لا يعترفون بشعر إلا ضمن ما تعلموه في المدارس، ففي عرفهم لا شعر خارج فضاء العروض، لا شعر بلا أوزان.. المهم أننا نكتب متحلين بالقدر اللازم من الوهم، لأن مصير النص الجديد هو أن يكتب.. ولا شيء آخر.
 

فيوليت محمد شاعرة
 كيف تنجح المرأة الشاعرة في إبراز ذاتها الشعري أمام هذا الكم الهائل من الشعراء الشباب؟
- اعتقد أن الزحمة لا تقف عائقاً أمامنا، إنما العائق هو حُسن الاختيار، فجميعنا نتحدث عن الموضوع نفسه، ولكن الاختلاف الحاصل بيننا هو تصنيفنا للكلمة، وهو ما يؤدي إلى اختلاف الشكل والهيئة والأسلوب. هناك مواضيع تكتبها النساء بحسٍ مختلف، ولذلك القضية ليست أفضلية بل قضية اختلاف بالإحساس، ما يستدعي وجود شعراء وشاعرات لنقرأ أكبر كم ممكن من الإحساسات والأشكال الأدبية المختلفة، مما يسمح لتعدد التجارب العديدة بالتعرف على الأخر.
  هل تشعرين بأنك تستطيعين أن تقولي كل ما تريدين في شعرك؟
نعم... أنا أقول كل ما أريد، وهناك مواضيع أفرض فيها المواجهة، أي أكتبها بشكل مباشر، لأنني عندما أريد أكتب فكرة أو موضوع وأريد منها أن تصل، تصل إلى الغالبية العظمى صحيحة، أما بالنسبة للمواضيع الأخرى فيوجد لها أكثر من وجه، وإذا كنت لم أوضح هذه الفكرة، فليس لعدم الجرأة، إنما لأترك مسافة بيني وبين القارئ، أي لأعطي القارئ خياراته المتعددة حول النص، ولا بد من أن أشير في النهاية إلى أن النساء بشكلٍ عام قليلات تجارب، فهن لا ينقصهن إلا المزيد من التجارب...
 

جولان حاجي شاعر ومترجم
 أين تجد نفسك أكثر: مترجماً أم شاعراً؟ وهل الشعر المترجم له تأثير على ثقافة الشعراء الشباب؟ و هل ترى أن الشعر ينعكس على حياتك اليومية؟
ـ قد تكون ولادتنا في هذا المكان من العالم قدرٌ قبِلْنا به كما يقبل الجميع أقدارهم على هذه الأرض. وتراثنا الذي لا نزال نحيا بداخله ليس نقياً، ويبرز لنا ثراؤه في شوائبه. تراث هذه المنطقة هو التراث العربي و التركي والإيراني والكردي... إلخ؛ وإذ أستعمل ضمير"نحن"هنا فإن الإشارة تتضمن أيضاً أولئك الذين اختاروا اللغة التي يكتبون بها، دون أن تكون أصولهم عربية بالضرورة، طالما أنهم يحبونها، وهي تلبي ما يبحثون عنه تعبيرياً في الأقل.
الترجمة أولاً طريقةٌ في القراءة، فسحةٌ للنسيان وكذلك متعةٌ وتسلية مرهقتان ومثقلتان بالإحساس بالمسؤولية، والقراءة بحد ذاتها متعة كبرى من متع الحياة تلطف الوحدة و الصمت، وهي بالنسبة إليّ أمتعُ من الكتابة، لأن المرء،كما يبدو، لا يرى نفسه جيداً إلا إذا رآها كشخص آخر، يبتعد عن أصوله كي يراها من زوايا أخرى. الترجمة طريقٌ للمعرفة لا للمحاكاة، فهناك أمور لن أعرفها أبداً ما لم أقرأها في لغة أخرى، ولا يُعقل الاكتفاء بأية لغة مهما بلغ غنى إرثها. الترجمة تتيح للمترجم أن يعيد كتابة ما يأمل كتابته، ما يشبهه أو يلائمه أو ما يختلف عنه تماماً؛ ثمة ضرورة أن يرى نفسه بصورة أخرى، ومشقاتُ المطابقة، المستحيلةِ على أية حال، تتوالى وتنتظم في اختبارٍ يبدو امتحاناً للغة العربية أيضاً. وقد توهمه أحياناً بأنه المؤلف القرين، وهو كذلك بشكلٍ من الأشكال، في واحدة من التكرارات الخالدة في دورات تناسخ الأرواح!!! مثلاً، استحسن غوته ترجمة نيرفال لمسرحيته فاوست، وبات يقرؤها عوضاً عن الأصل. يستغرق المترجم في الاستبدالات، ريثما يحل الضجر أو اليأس فيضعان نهاية مؤقتة لهذا الاسترسال المفتوح، المرهق و الممتع، وهذا التنقل اللاهث بين المرادفات و الصياغات.... لكن المعرفة التي ينشدها مؤسية أحياناً، وعوضاً عن إغناء الذات و إضفاء الجمال على الحياة قد تُفقِرُ المخيلة وتتخم الذاكرة بالأسماء التي ستشقى بالتخلص منها. يحزننا الاقتراب والتماهي المعميان أحياناً، والتنقيح الذي في مسعاه إلى الدقة يتلفُ كلَّ إمكانية للفهم.
سأذكر مثالا كلاسيكياً. وُلِدَ من اقتران عمر الخيام، عالم الرياضيات والشاعر، وفتزجيرالد الذي لا يتقن الفارسية تماماً، ولد من هذا الاقتران شاعرٌ ثالث لا يشبه أياً منهما، ينتمي في آن إلى عصرين ومكانين وثقافتين مختلفتين. كثيراً ما يتردد إن ترجمة الشعر تخص الشعراء، فللشاعر من جوازاتِ الإخلال بالترجمة الحرفية ما لا يجوز لسواه. أحسب أن الترجمة عموماً فعلٌ مستحيل، إذ من المحال أن تنقل الإيقاع أو الاختزال من لغة إلى أخرى، فتلك عملية عبثية تحتمل جدلاً لا ينتهي. لكنني أعتقد بأن الجمال موزع في كل ألسنة الأرض، ولكل لغة ما تضيفه إلى الثقافات الأخرى. لو يأتي اليوم الذي تُقرأ فيه أية قصيدة بمعزل عن الاسم والأصل، قصيدة يكتبها أي شاعر وكلُّ شاعر.
ثمة جمالٌ لا يخفى في التحرك الحر داخل فضاء لغة أخرى دون أن تنتمي إليه، تشعر به وتفكر فيه دون أن تكون واحداً من أهله، تستمع بكونك غريباً لا يثقله الولاء ولا الفخر أو حتى وجوب التمرد. لا تبحث هنا عن الاختلاف لأنك مختلف للتو. أن لا تملك أية صفة أوسعُ من استئثارك بأية صفة أو حتى بالصفات كلها. المؤسف في الترجمة أن المجازف باقترافها ليس حراً كما يريد، إنه محكوم مثل ظل في مرآة؛ إذ من الممكن مثلاً أن تنسب أية فكرة إلى دوستويفسكي أو التلمود دون أن تكون مخطئاً. لكن اشتغاله يحقق له رغبة الاختفاء، التخفي في إهاب شخص آخر. وما يحيره بالطبع، ويحفزه أيضاً، هو أن معرفته تقريبية غالباً، وليس بوسعه التعمق في أي شيء، فالقواميس لا تسعفه كي ينقل ظلال المعنى وحركته ثم يحييه في لغة أخرى لا تشبه الأولى، وهذا النقل هو المحك الأشد وعورة؛ ولهذا يرضى بالممكنات ويقبل بالنقصان، و هو مدركٌ في قرارته إن لغة الترجمة تتغير دورياً مثلما تتغير لغة الشعر.
أحياناً أعيد صياغة بعض القصائد المترجمة، وأفكر في إمكانية الترجمة داخل اللغة نفسها، كأن نترجم النفري إلى أدونيس (أو ربما العكس هو الأصح). أعتقد أن فكرة النظر إلى الترجمة كشيء دخيل أو مشبوه هي فكرةٌ حديثة كرّستها بعض السياسات؛ لماذا الخوف أو الخجل إذا قيل لنا إن ما نكتبه يشبه شعراً مترجماً؟ يبدو لي هذا القول مديحاً للانفتاح على العالم الذي يحق لنا الانتساب إليه، واستقبال أو استضافة تأثيرات الآخرين، دون أن نستخف بأنفسنا ونكثر من الحديث عن انعزالنا وبدائيتنا، مضمِرِين رغبةً في التلذُّذِ بإيلام أنفسنا لأننا تأخرنا عن كل شيء، ولا نزاول شيئاً جديداً إلا بعد موته في ثقافات أخرى، ولكن يبدو أنه يفتننا أن لا عزاء لنا. المهم في النهاية هو أن الفن يحدث، لأن وهم التجديد والعثور على أسلوب مبتكر هو خطأ آخر نضيفه إلى سلسلة أخطائنا المستمرة. ليست مهمةَ أحد الالتزام بالأصالة، أو البقاء تلميذاً إلى الأبد، لأننا عبر اللغة التي نكتبُ بها نصنع شيئاً لا يلبث أن يُضاف بدوره إلى ركامِ ما كُتِبَ من قبل عبر أزمنة مختلفة، ولا أعتقد أن أحداً سيكترث بالخلود إلا المرضى. لنتذكر الحضور الكبير للأرض اليباب في شعر الرواد، أو سان جون بيرس. الجميل في كل شعر مترجم هو أنه كائنٌ هجين وقد فقد بركاكته وغرابته سطوةَ الأصل. كان هولدرلين قد قال مرة إن الفلسفة هي مستشفى الشعراء المنكوبين.
تأثرُنا بما نترجمه ونقرؤه علامة للحيوية و العافية، ومعبرٌ إلى المقارنات العطوفة الدقيقة، دون التشدق بضرورة مقارعة التراث وتجاوزه أو الاستغراق في الحنين إلى الفراديس المفقودة و العصور الذهبية، فهذا الحنين سمةٌ من سمات البؤس غالباً، يعنينا داخل بداهة الإلمام بالتراث المديد والشديد التنوع، يعنينا أيضاً الاهتمامُ بالواقع المفقود والراهن الغامض. للترجمة دور مهم في تغيير العلاقة بالتراث، وإعادة خلق الماضي من جديد، دون الانفصال عنه أو الانهماك بالتخفف منه، ودون المغالاة في الانتقاص من البلاغة ومهاجمتها، وإنما إعادة النظر فيها.
بغتةً، قد يكتشف المرء من جديد كل الأشياء التي حسبها عبثية ومضجرة فلم ينتبه إليها. ربما كان ينضج رويداً دون أن يدري. يمكن للتغير الذي لا يتوقف، شأنه شأن التنفس أو الخفقان، أن يتجلى في غاية الهدوء والوضوح، فردياً لا تشوبه أوهام مشاريع كبرى ترتقي بالوعي فتخلخله أو تقوضه وتهدمه. لكنني، من جهة أخرى، لا أفهم بعض التعميمات التي كثيراً ما يوصف بها الشعر الجديد، لا أفهم جيداً مقولات الحميمية و البساطة والمفارقة والحساسية الجديدة، و كذلك إعادة الاعتبار إلى اليومي و المهمَل و المحلي، وأستغربُ الرأي المأثور إن المحلية هي بوابة الكونية، فقد لا يعني كلا الأمرين شيئاً بالنسبة لأي شاعر. أجد أحياناً إن تناول مفردات التكنولوجيا في الشعر الجديد لا يختلف في جوهره عن انبهار أحمد شوقي بالطائرة ثم ضجره من دهشته. ولأضرب هنا مثلاً معروفاً عما يسمى بالمحلية التي قد تتجسد دون التطرق إلى أي من التفاصيل الرائجة أو المعاشة؛ يخلو القرآن من وصف الجمل، وغياب هذا الحيوان على هذا النحو يبدو بديهياً، لأن وجود الجمل بديهي في صحراء العرب.
تكلمتُ كثيراً، وقد أكتشف، كأي شخص آخر سواي، إن كل ما أقوله لا يشبه ما أكتبه أو أنجزه، فأستغرب كلاهما. لكننا بالطبع جميعنا أصدقاء نسهم في مشهد لن يكتمل أبداً، ووراء ما نكتبه يكمنُ ما اختبرناه وقرأناه وحلمنا به.
 

قيس مصطفى شاعر وصحفي
 برز في الفترة الأخيرة مهاجمة التيارات الدينية لقصيدة النثر، هل عاد التابو الديني إلى الواجهة، وبدأ بمحاربة الأصوات الشعرية الجديدة؟ وماذا يعني تعدد الجهات الرقابية؟
- التيارات الدينية لا تهاجم قصيدة النثر على وجه التحديد، إنها تهاجم كل ما هو تنويري وليس تحت قبضة سلطتها اللاعقلانية، والمتمترسة خلف مجموعة من المفاهيم التي تعود إلى العصور الوسطى، بكل ما احتوته تلك العصور من عنف تجاه كل ما هو مغاير ومختلف عن السائد. وبالأساس تعادي التيارات الدينية التي تضع نفسها في نقيض مع الفنون كل محاولة عقلانية تظهر في داخلها..
تعتقد التيارات الدينية بمختلف شقوقها وفروعها، وككل حملة الآيديولوجيات، أنها وحدها من يمتلك الحقيقة، والشاعر بطبيعة الأحوال يقدم نفسه كحامل للحقيقة، ومع أن الشعر لا يناصب العداء لما يفترض أنها حقائق الآخرين، إلا أن المتدينين يفترضون دائماً أن الشعر ككل هو حالة تقف بالمواجهة ضدهم. وذلك على الرغم من أنه يمكن إرجاع الكثير مما كتبه شعراء العربية إلى ميتافيزيقيات مستمدة  في جذورها من ميتافيزيقيات النص الديني أو ما يدور في فلكه من نصوص.
لقد تعرضت لتجربة مرة على هذا الصعيد، وذلك عندما نشرت قصيدة في ملحق جريدة تشرين الثقافي الذي كان يشرف عليه الروائي خليل صويلح. وبسبب تلك القصيدة (كلام الغائب على كلام الغائب في أمور الشهقات وما شابه)  أعفي خليل صويلح من مهامه، وفقدت الحالة الثقافية السورية منبراً مهماً. يومها احتج مجموعة من رجال الدين واعتبروا أن القصيدة هرطوقية، وبدأوا باستخدام ما يمتلكونه من سلطات لا يمكن لأحد أن يتخيلها لإيقاف الملف الثقافي وهذا ما كان لهم. والغريب أن ذلك حصل كسابقة فريدة من نوعها في دولة علمانية كسورية التي عانت الأمرين من سيطرة تلك التيارات على الاستقرار في فترة من الفترات.
لا أعرف ما الذي يخيف رجال الدين من قصيدة أو عرض مسرحي أو رواية فيها من الحياة والواقع أكثر مما يعتقدونه تجديفاً أو ماشابه، إنهم يتصرفون كالمجانين مغفلين أنه لا يوجد كاتب على وجه الأرض يريد إلغاء المقدس لأن الجميع يعتبرونه جزءاً من ثقافتهم وتكوينهم الثقافي والمعرفي.
إن لا سكونية قصيدة النثر وعدم قدرة رجال الدين على تمثل السياقات اللغوية التي تجري فيها يجعلهم بحالة عداء مستمر، وذلك بعد شيوع قصيدة العمودين وقصيدة التفعيلة، وانكشاف أدواتها واقتراب تلك الأدوات من أغاني الشعائر الدينية التي يتذوقونها ويطربون له في وقت ينكرون فيه على الآخرين حقهم بالطرب بأشياء أخرى أقل وطأة.
لعل في قصيدة النثر شكلاً كتابياً غير مكشوف، بل ويستعصي على إدراكهم من حيث قدرته على تحقيق خروقات في اللغة، والخروج عن المرجعيات المعروفة لتلك اللغة، يمكن القول ببساطة إن ما تفعله التيارات الدينية هو مجرد حرب شعواء على من يمتلك اللغة العصرية، التي يعتبرها المتدينون ملكهم الحصري، بل ويرفعونها إلى مرتبة القداسة، وهذا ما لا يحصل في الكثير من اللغات الاخرى، حيث تحررت اللغة من سيطرة المقدس.
اللغة ليست ملكاً لأحد وهذا ما لايريد أن يصدقه من يناصبون العداء للحياة.
 

في ختام هذا الملف الاستثنائي، وإذ نعتبره استثنائياً لأنه لم يدرج في حواراته أياً من الشعراء القدامى، فقد اعتمد على أفكار وأراء الشعراء الشباب، إلا أنه في النهاية لا يمكننا إلا ان نستعين برأي لأحد رواد هذه القصيدة الشاعر أدونيس، عندما تحدث عن أولئك الذين مازالوا يقللون من شأن قصيدة النثر بإجابته في أحد الحوارات السوريالية لسؤال عبد القادر الجنابي:"هذا الذي يقلل من شأن قصيدة النثر؟"فكان جواب أدونيس«لن يقدر أن يسير إلى أبعد»

لماذا النثر؟


 

نثر معاصر


نثر قديم


نثر مترجم


نثر على نثر


نثارون


انطولوجيا النثر


مكتبة النثر

 


مستشارو التحرير

 

حاتم الصكر


خزعل الماجدي


صالح هويدي



مدير التحرير
دلال جويد


 

 

للمراسلة

 


حقوق النشر محفوظة ولا يجوز إعادة نشر أي مادة إلا بالإشارة إلى المرجع. المواد المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تلزم الناشر بأي مسؤولية.