|
لوحة المونليزا
(تداخل أنثوي مع قصيدة النثر ووجه
الوردة)
نعيم عبد مهلهل
سعى الشعر منذ أزمنة آدم وحتى أزمنة
الدبابات أن يكون التعبير الأوسع
والأعم والأعمق في خلق مكون روحي
للمشاعر الإنسانية من خلال تعبيره
بصدق وخداع عن هذه المشاعر وليظهرها
الى السامع والقارئ كمن يظهر ماسة
مخبئة في كيس حرير وليسرقنا ضوءها من
اللحظة الواقعية الى اللحظة
الرومانسية والخيالية ، وتكاد تكون
بعض المصورات والأمكنة هي من بعض صناع
هذا المحفز ومنها لوحة المونليزا
للرسام الإيطالي ليوناردو دافنشي.
لا أعرف حين أتأمل وجه ليوناردو
دافنشي ، أتخيل الرجل عبارة عن رأس
بحجم كرة من الورد . رغم التجهم الذي
رسم على وجهه ملامح قاسية مثل كومة من
الصخر. هذا الرجل رسم الجيكوندا . وهي
سيدة نبيلة من أسر فلورنسا العريقة .
الأهم الذي غاب عن التأريخ ، هو شكل
الحوار الذي كان يدور بين المرأة
والرسام . وحتماً لو أن أحداً قد دون
ما يدور سيتغير شكل الرؤيا التي
تمنحها لنا المونليزا الآن ، فالأمر
فيه الكثير من خبايا تشتغل على عاطفة
الروح والجسد . فرجل مثل دافنشي ،
لايمر عليه الأمر مرور الكرام ، كمن
يرسم لأجل أن يرضي رغبة الدوق . فهو
الذي أختار وجه مونليزا ، وربما لو
طلبت امرأة غيرها لرفض . فمخطوطات
ليوناردو كشفت عن مزاجية صعبة تصلح
لتكون مرجعية لنص يشتغل على حداثة
جديدة لتصورات عصر مرتبطة بآنية ما
يحدث اليوم وكما أفعل أنا عندما أعيد
ترتيب شكل وجه المونليزا مستعيناً
برؤى الموت والحياة التي مارستها
علينا الحرب في جهة من جهات الله
أسمها ( الجهة الشمالية ).
يشبه وجه مونليزا قصيدة نثر لم تتعثر
بين موسيقى الكلمات ، فتحت أجفان
المرأة يستطيع الشاعر أن يؤسس المدينة
التي يجمع فيها جواري الغرام والرؤى
التي تشكلها روحانية الشعر ، وهذا ما
كان دافنشي يعتقده فصاغ جنونه في ذلك
الغموض الذي لا يمنحنا سوى بريق آسر
يدفع بنا إلى افتراضات كينونة جيدة
تمنحنا الكثير من الرغبات ابتداءً من
الجنس ومروراً بكنوز اطلنطا الغارقة
وانتهاء بأناشيد النصر ضد الغزاة
والمحتلين ، وأتخيله يكتب تحت ذلك
الجفن الماسي :
الرغبة الطافحة تشبه فناجين قراءة
الطالع ، وجنون المخترع ، وما تلي من
همس سري في العشاء الرباني الأخير ..
غير أن وجه جيكوندا لا يشبه مثل هذه
الرغبات بالرغم من دهشتها ..
انه يشبه قطعة زبد تلحسها الشمس بلسان
صباح بارد وسط قهقهات أشجار السرو ..
هذه متاهة الجمال ، لا يسيطر عليها في
عصر صعب كهذا ،سوى النثر المتشح في
بهاء الموسيقى والقصد الطامح بمعلومة
الخيال ، أن يذهب بنا مدى الشعر إلى
ما نفترضه مكان الفردوس ، وكما
فيثاغورس في نهاية عمره .الفردوس
امرأة ،والمرأة الفردوس .
وربما هذه العبارة هي من شكلت رغبة
دافنشي ليخفي بين أجفان المونليزا
ألغازا لا تحصى ، حملها الشعراء
بأجيال متعاقبة ليوقدوها في نهاية
المطاف نيران الشعر واشتعال مواقد
الكلمة وصناعة الصيرورة الملونة التي
أعطاها رامبو وفرلين وبيرس وريتسوس
وكافافي وريلكه واودنيس والسياب
ونيرودا وبورخيس وعقيل علي ، ورينه
شار وانطونيو متشادو وروفائيل البرتي
وانسي الحاج ومحمد بنيس وصلاح بو سريف
ومحمد الماغوط وصلاح عبد الصبور وخزعل
الماجدي وعبد الوهاب البياتي وناظم
حكمت ومايكوفسكي وميشيل ديغي .وألف
مثل قامتهم أعطوها رؤية الرائي لما
يرى ، وفتنة الانبهار بإشراقة الوجه
،وتدخلات معنى النص في موضوعة الجمال
والأنثى وغير ذلك من رؤى الإشكاليات
الوجودية والروحية التي تحدثت عنها
قصيدة النثر وحولتها بالرغم من
المعارضة والنقد ومحاولة القديم من
تسطيح الروح النثرية إلى بهجة كونية
ابتدأها سان جون بيرس بالقول :
نحن الواقفون عند تخوم المعنى ، لا
نصنع هنا سوى مجد البحر ..
وحتماً هو في تأمله الدائم لوجه
مونليزا سيقول :لا نصنع سوى البحر
ووجه المرأة المبتهجة بشجار العصافير
تحت نافذتها النحاسية.
بين قصيدة النثر ، واللغز الكامن وراء
نظرة المونليزا رابط من رؤى مشتركة من
أجل عالم لايمكن تخيله بصناعة اللحظة
الكلاسيكية ، فالجمال لا يكتشفه الحكي
الموزون ، بل أن النثر بسعته لقادر أن
يصل أينما تكمن اللحظة الفاتنة ، تلك
التي نجدها مدثرة في خلفية تلك
الابتسامة الغامضة والتي يحولها هوس
الإبداع الحقيقي الى قصيدة لا تتسع
لشطح صوفي فقط ،فهي كما قول ابن عربي
:ماسكة الوجدان وشاغلة الحلم ، ومهيبة
الوجدان .
حتى إذا سقطت بروج الليل على أجفان
الرؤية صنعنا من دقيقة الوقوف أمام
حسنها في اللوفر شكلا أخراً لمرأة
ممناة بما يسع القلب من هوس التأليف
وإيقاد جمرة الثلج في العقل المفتون
بغرة عينيها لتأتي القصيدة على نحو
يأخذك حتى الى تخوم دلمون ، فردوسنا
الأزلي القديم القائم على يقظة اللحظة
، وغير رؤى الشجن النثري لا يمكننا
صناعة مثلها ، فالمونليزا هي في الأصل
من خيال دلمون عندما يذكرنا وليم
شكسبير في هذا القول : كل حسن لاتصنعه
سونيتات مجنونة يولد ويموت باهتاً.
ومع اندريه بريتون عراب قصيدة النثر
نقول : سونيتات قصائدنا نعوشا من
الورد في ذيل ثوب الملك الغامض.
ومن كتاب دلمون ووجه مونليزا يمكن
للقصيدة النثر أن تتخيل هذا العالم
عبر جفنها النائم في متاهة زائري
المتحف أو بين لهيب المدافع التي يقال
إن زعيقها الذي هاج في الحرب الكونية
الأولى كان بسبب سرقتها من المتحف
بواسطة لص مهوس ومجنون كان في بواكير
أحلامه وموهبته يكتب قصيدة النثر.
إن أدراك مقاطع من كتاب دلمون عبر
خيال تلك المرأة يمثل تطبيقا علميا
لهذه الحسية التي تحاول أن تثبت إن
وعي الكلمة لا يخضع الى موروث القوالب
الجاهزة وطمع الذهب الآتي من المدح
والقدح والتغزل بخمار المرأة
الصحراوية.
بل يحاول النثر هنا بشحنته الموسيقية
أن يقيم علاقة روحية بين الكاشف
والمكتشف ، وآي كانت جيكوندا كاشفة أو
مكتشفة فأن رؤية الشعر في تخيل
الفردوس عبر بوابة الوردة والمرأة لهو
تخيل راق واسطوري وملئ بحس عالي من
جمال الموسيقى ودهشة اللغة كما في
النماذج التالية من كتاب (فقراء جنة
دلمون) المعد للطبع حالياً:
1
(( لكي تجد الله وجنته ، انظر إلى
الرغيف ...
سترى كم من القديسين فيه....
2
ستعرفون غداً ..إن ما نتخيله هو الذي
يأتي
والذي يذهب هو عطاس العصافير...
3
حين أتى الموت أبي
دمعتي صارت له كفناً
وأول خواطري هي النعش الذي ذهب فيه
إلى دلمون.....
4
لم أسمع عن بيوتٍ تزقزق مثل العصافير
، لكنني شاهدت هنا أكثر من ذلك ،
فالورد يدندن بكل سيمفونيات الموسيقى
وتمنيته يغني موالاً حياوياً..
فقال : علمني ....
اعلم الصباح الألماني بحة قلبي ،
فيضحك العالم كله ..
هنا الجنة ..وهناك المحنة
وبينهما أسطورة وواقع ..
فالأرفع مع جرس الكنيسة طرف الرداء
وأقول ليسوع المنحوت في جذع الشجرة :
أيها النبي ، اصنع أجنحة الشوق من دبس
التمر وخذيني إلى أور ، فصفاء الجو
هنا يشعرني بدنو الأجل والجنة لا تصلح
إلا لصفاء البال ، وبالي مشوش ، فقد
نقل الهاتف إلي إن مفخخة في شارعنا
قتلت قطة ، وذكر أوز وأنثى غزال في
أول يوم من خطبتها لأسد من أهل الشطرة
..
يسوع يبتسم ..
أنا ابتسم
والقرية تعزف بأصابع الورد وقناديل
الشجر عالمها الخاص
وعالمي سبع دجاجات لا يبيضن ..
وسبع نعاج لا ينجبن ..
وسبع حكومات دون ديمقراطية ...
أي تاريخ هذا ..
نحن أنجبنا الأنبياء
وهم أنجبوا مكائن الديزل
فأقر بهاجس الشعر إن هذا يعود إلى
السيف الذي صنعناه لنقتل فيه أحبتنا..
فيما أبقينا العشق على الألواح وهم
نقلوه إلى المطابع ....
قلبي يطبع نظرته على الصباح هنا ..
وردة لا لون لها تغمز لي فأشعر بسعادة
مؤقتة
وأطمئن قلبي حتى لو نهايتي الجحيم فقد
شاهدت الفردوس في صباح ما .
5
في شوبنكن تساءلت بمرارة الحنظل لماذا
الشجر هنا يلبس معاطفه الخضر ويتسلق
زرقته الناصعة بأحذية التزلج ومواعيد
ربيع سيأتي مع ابتسامة طواحين الهواء
والموسيقى البافارية.
فيما أور في هذا الوقت من حزيران تغرق
بغبار آت من حفر الباطن وسلالات لكش..
استنشقوه لعلكم تدركون قيمة أن تكون
النخلة رايتكم ..
فهنا يستظلون برمش جفن الفراشات
وانتم تستظلون ببنادق الأحزاب..
فلو كان في شوبنكن قطرة نفط واحدة
لصنعت للبشرية ألف دلمون في كل
ليلة...
6
لي جملٌ تاه في شوارع رواية لماركيز
جملٌ ورثته من تواريخ قبائل النخل
وقبور السادة وحلقات الذكر الشيوعية
وحين عاد من ذلك التيه
رأيته قد امتنع عن السكر وشرب السجائر
والنوم أول الليل
أراه يسهر ، ويتمنى أن تكون الصحارى
خلف عتبة الباب..
فشرود الذهن جنة..!
7
لم يتخلف أبي فجراً واحداً عن الصلاة
وحين أخذته آلهة سومر إليها في فجر
صيفي دامع
شاهدت الصلاة تصلي من اجل أبي....
8
نزل الثلج فوق كردمند
وما نزلت جثث الجنود حد هذه اللحظة
لا اعرف من قال مرة :
الذي نعشه من ثلج
لن يحتاج إلى كأس مدام في الفردوس
9
كل فجر يقربنا إلى الأزل الصامت خطوة
واحدة
أنه يأكل من أيامنا
ونحن نشتمهُ بالتفاؤل
10
ــ حين يعزف الموتى صمت الذكريات
الأحياء يرقصون من الخوف....
لأن الجنة تحت أقدام أمي
فهي تعزف مع الموتى بنشوة موزارتية...
11
النساء ..بدن الكون
فيما روحه ، عقل الرجل
وربما وفق هذا التصور
خلق الله آدم وحواء.............
13
المرأة ..والتفاحة من أصل واحد..
الرجل أصله دمعه
عندما تسيل الدمعة على خد التفاحة..
الجنة تتذكر آدم
وأنا أتذكر كوخنا الطيني...........!
14
بسبعة أيام خلق الله العالم
وكنت أنت في اليوم السادس تومئين إلى
الشمس بشهوة روحك
أيتها المجنونة
كيف تعلمت الإغواء من أول لحظة؟
15
من بوابة البرد ، القمر يختلس النظر
إليكِ
أنت تسرحين شعركِ
فيما البلبل في القفص
يبحث عن قاض عادل يُعيد السماء إليه
امضي عمري كله ابحث في المتاهة عن
وضوح
يعيدني إلى تساؤل لاينته
هل الله خلق حواء لتعلمنا الشعر
أم انه خلق الشعر
ليعلمنا حواء…؟
حواء التي اعتقد وما زلت
إنها ليست سوى مسألة رياضية
16
دمع المطر يغسل أرصفة عينيك بموسيقى
نحيب العشب
خطواتي الخجلى مثل مفاتيح البيانو
كلما ضربتها أصابع الريح
فتحت أفران الخبز خطواتها على الأرصفة
وكانت بينها خطواتي
وهي تبحث عن دلمون
وامرأة تتمنى أن تقضي ليلة رأس السنة
وسط مشاعري القانعة
بأن العمر سيمضي
وسيذكرنا الله بخير في نهاية الأمر.))
هذه هي رؤيا المونليزا تحمل في طيات
ابتسامتها حلول الغاز الشعر وسعيه
الدائم الى الفردوس الخالد وهو سعي
أوجدته ذاكرة المبدع منذ خليقة آدم
وحتى البيان السريالي الشهير الذي
أراد فيه بريتون أن يضع سير جديد
لهاجس الروح عبر انطلاقة لا تبدأ
بلحظة بناء للقصيدة واختيار منمقاتها
بل هي لحظة اللاشعوري التي تدفعنا الى
تخيل ما لايمكن تخيله في دفع مشحون
بطاقة هائلة إلى اللغة ومشفراتها
وحسيتها المختبئة داخل بريق المفردة .
وهكذا هي اللوحة تعكس وجدانها على
حياتي وعلى ما أريد أن أنجزه من قصائد
لأتاتي سوى في وقت غير محسوب ، وقت
يعيد ألي ظلال أزمنة تداخلت عبر نوافذ
التأمل وأيقاظ الحس النائم قرب مواقد
دفء محاربي الضوء ، أولئك الذين عدهم
كافافيس بأنهم يصنعون لذتهم من خلال
نظرات أجفانهم وهم يقودون حصان طروادة
الى اجله المحتوم ، اجل نضعه اليوم في
بناء رؤيتنا الجديدة للشعر في المساحة
الممتدة بين الذي فكر بخدعة حصان
طروادة ، وبين الذي جلست أمامه الدوقة
الفلورسنية ليرسمها ، مسافة شاسعة ،
وليس هناك غير الشعر من يقربها ألينا
ويضعها في حدود المنجز الجميل ، منجز
أن تكون هناك قصيدة ، وهناك شحنة
داخلية من الموسيقى ،وهناك أطياف
غامضة تقودنا الى ما لايمكن أن يعاد
حتى بآلة الزمن التي اخترعها خيال
فرلين في رواياته المجنونة.
وعليه فأن حكايتي مع المونليزا ومقدار
ما تمنح من طاقة لصناعة الهاجس العذب
تبدا كآلاتي :
لم
يسمح لي الفقر الذي يشبه رغيفاً
سومرياً متحجراً في تنور أثري أن
أتعدى عتبة المدينة إلا عندما توفر
أمي ما باعته من بيض دجاجتنا الحسناء
( نرجس ) وتذهب بما وفرت لزيارة النجف
وكربلاء . أمي حزينة لأن النقود
لاتوفر لها زيارة أبي الجوادين ( ع )
وأئمة سامراء . ورغم هذا تكتم حزنها ،
وتلف دموعها بين أجفانها ، كمن يلف
أوراق مودته القديمة ليخبئها عن زوجته
. وأكبر حزن أراه في عيون أمي عندما
ترغمها الجورة لتزور جارتها ( الحاجة
تنزيل عبيد ) القادمة للتو من حج مكة
المكرمة . كانت أمي تسمح لي بمرافقتها
لضعف في نظرها . وكنت أرى المنائر
تتعلق بعاطفة الذهب ، وأعيد الفهم
الروحي لشكل القبة ، وأفسر خيالات
العطر الذي يتعطر به الزائرون من
الهنود البهرة ، ومرات أطيل التأمل في
عبارات الإهداء التي دونها الشاه
الصفوي على الباب المذهب لمقام الحسين
( ع ) . فأكتشف مالم يكتشفه الزائر
الذي يقبلُ الباب ويدلف إلى الداخل .
أما أنا فكنت أرى في الشارب الطويل
للشاه الصفوي تفاعلات الحدث التاريخي
عبر الأزمنة كلها ، منذ أن دخل كورش
بابل وحتى اليوم .
وجه المونليزا مسألة حسابية أرقامها
تتعلق ببندول الأزمنة وهي واحدة من
التعبير الاستثنائي للجمال الذي
نتخيله في مساحات الرأس عندما نريد أن
نجلب وردة ما لواحد من مساءات
الإجازات الطويلة ، عندما تعطينا تلك
الأذونات مساحة من التخيل وأشراك
الشعر في صناعة الألم الذي تصنعه
الحرب . وفي المحصلة ، ستكون هناك
مساحات شاسعة مابين الوجه المحصور
بإطار من خشب مذهب ومعلق في واجهة
محمية من رصاص المجانين وخدع السراق :
وهو وجه جيكوندا وبين تلك الثنائية
المتداخلة مع وجود نائي في شمال يصنع
رباياه في مجارف الأحزان وأنين أغاني
مطربي الريف وعندما يذكر أحدهم باريس
مثلاً. يرد الثاني مستهزأً : أن مدينة
سوق الشيوخ أقرب . والغريب أنها رغم
عدم اقتراب موضوعاتها بأي شجن للحرب
إلا أنها أقرنت فيه حين سرقت في زمن
كان العالم قد هيئ نفسه لحربه الكونية
الأولى . وكان الظن أن السارق ليس سوى
عاشق لها ، أو مجنون يغار من هذه
الأنثى التي قيل أن السحر يشع من
عينيها كما تشع الشمعة من يد بابا
الكنسية وهو يصلي من أجل رعاياه أن
تبتعد عنهم مشقة وهموم البنادق ،
ويبدو أن دافنشي تقصد أن يترك للبشرية
أثراً محيراً فكانت لوحة (المونليزا )
.
يقترب وجه المونليزا في جانبه الحسي
من وجه الوردة ويشيع هذا الإحساس
الروحي مداخلات نفسية بين هاجس الأنثى
المتحرك برغبات صنعتها السماء لتكون
مصدراً لحاجة الرجل وبين جمال صنعته
السماء أيضاً ليكون وسيط بين الذكر
والأنثى . لأجل هذا تكون الوردة قرين
مناسب لهذا الود المتجمع في وجه
المرأة الذي أحدث الغيرة في دراسات
بعض النفسانيين وقالوا : أن الوجه
الخالد للسيدة الفلورنسية في مقاربة
خفية مع وجه الخنزير . وهم بذلك يرون
وحسب ظنهم أن دافنشي أراد في خطوطه
المخفية هذه أن يشوه الجمال الحقيقي
للمرأة النبيلة لغاية ترتبط ربما في
مشاعر الفنان ، مؤكدين في هذا أن ثمة
ارتباطات أخرى ينبغي أن تولد بين
الرسام وموديله لأنها كانت تجلس أمامه
ساعات طويلة وهو يرسمها . وعليه فأن
قياسات الوردة بهذا الموديل تحمل
مقاربات روحية لاحصر لها تجعلنا نؤمن
بقدرة هذا الكائن الصامت مع ابتسامته
الخفية والمخيفة أن جعل الورد صلة
الحس في إتمام شيئاً من علاقة نود
استحضارها هو أمر جائز وخاصة عندما
ندرك أن ملامسة وردة في أمسية حرب
يعني استذكار عصر كامل من الشعر
والطفولة والعوز ومراهقة التمني عندما
تصير باريس مثلاً في مساحة الحلم
والتمني أقرب من شفاه المرأة التي
كانت تعطيك بعناقها لذة الورد كله ،
وحين تذكر لها أن المونليزا وقت تمني
الشعر تصبح مثل الوردة في حضن الجندي
الذي يود بعد سلامته من جحيم القصف أن
يكتب رسالة لمن يهوى تشتعل غيرة
المرأة فلا تحب بعد ذلك أن تشاهد لوحة
المونليزا وترفعها من روزنامة المطبخ
، وأيضا لا تحب شم الورد وتعوض عنه
بشم الرسائل القادمة من شمال الثلج
وهي تحمل رغبة عناق ليال أطول من ألف
ليلة .
في الشعر حيث تتملكنا الهواجس المرئية
والحسية وعلى مدار مستويات الاشتغال
كلها تتطبع الذهنية على مستوى معين من
الحس ، وتشكل الوردة واحدة من
الخيارات الدائمة لهذا الاشتغال ويمكن
أن نأخذ التعبير البورخسي هذا دليلاً
على ما نذهب أليه في قدرة هذا الكائن
الجامد على تحريك أكثر من جبل جليدي
فينا عندما يقول في واحدة من خطاباته
بعد أن انطفاء النور من عينيه ( أن
الكتابة سلوى عظيمة ، ولكن ملامسة
الورد أعظم ، فالوردة تشعرك بأن شيء
ما يتحرك داخل أعماقك فيريك الكثير من
الأمور التي هي في داخلك ولكنك لم
تراها أو تشعر بها ، محصلة ذلك أن
الورد كائن ثان يعيش فينا ) .
من هنا فأن تقريب هذا الهاجس الصغير
الذي يملأ الكف بإحساس متداول بأن
الحياة من دون ورد تشبه صحراء لاحدود
لها يعطينا شعوراً بأن المقاربات التي
نصنعها من خلال إحساسنا بوجود الرابط
الروحي بين المرأة الجميلة والورد هو
خلق جديد للوجود بعيداً عن تفرعات رؤى
المعارف والفلسفات والعلوم لأنك عندما
تصنع حياة مكونة من أمرأة جميلة ووردة
فأنت تصنع الوجود الحقيقي الذي انتمى
أليه الأنبياء والقديسين وكتبة اللوح
الأول ، لهذا فأن أشراك الوردة مع
المونليزا هو إشراك فيه الكثير من
تحديات الفعل كي نجعل من هاذين
الهاجسين مكانين في الظل الكوني
البارد نهجع أليهما كلما أردنا أن
ننسى الحرب والموت وهذا التشريد
القسري لعاطفة الإنسان في منافي
العولمة الجديدة التي تنام وتصحو على
مبتكر جديد ولكنه يحتاج إلى أرض جديدة
واحتلال أخر .
دورتموند 2009
شاعر
وناقد من العراق |