|
لا تعيها الغابةُ.. لا يقرؤها الحنينْ
خالد جمعة
يصعدُ في جلجلةِ المكانِ كأولِ البشر
حزيناً كدوريِّ الشتاءِ مضى، هادئاً
كوقتٍ بينَ عاصفتينِ، منشقَّاً عن
طقسِهِ وعن ذاكرتِهِ الململمةِ من
نثار الأزمنةْ.
العَرقُ يخدشُ جلدَه فيرسمُ مجرىً
لنهرٍ حائرٍ بلا ضفافٍ أو متنزّهينَ.
لماذا حبستَ ظلَّ الصفصافةِ، سألَ
عصفورٌ يتعلّمُ الغناءَ دونَ جدوى..
لكي أعدّلَ مسارَ الأرضِ في روحي
وأحرِّرَ العاصفة..
امرأةٌ تجلسُ في فراغِ الأسئلة،
تشدُّهُ من غواياتهِ إلى جنونِها
الليليّ، يفتحُ نوافذَ قلبِه ليسمعَ
نغمةً قصيرةً في صمتِ هذا الفضاء،
رسمَ صورتَها على السوادِ الهادئ
لليلِ، ربما كانت قمراً أو سيدةً
للنوارسِ التي لا تهدِّؤها الريحُ
الكثيرةُ جوارَ الموج، ربما تحمّمتْ
بصوتِ الخيولِ على رملٍ يمتصُّ إيقاعَ
الخطوةِ، ربما نذرت جلدَها للبرقِ
النامي كشجرةٍ في حقلِ الغيمِ، وربما
كان خيالُه يشبهُ حريقاً دونَ بدايةٍ،
لكنه اشتهى الفروقَ الصغيرةَ بين
الطبيعةِ وبينها فلم يعد يعرف أيهما
عشقَهُ الأولْ.
جاءَ ولم يحضُرْ ظلُّهُ، كأنّهُ
كاملاً كانَ حُلماً في رأسِ قُبّرةٍ
لا تعيها الغابةُ ولا يقرؤها الحنينُ،
أقدامُهُ تميمةُ البحارِ وخرافةُ
اليابسةْ، تعلّقَ بالكلامِ الإلهيِّ
عندما لم يجد الطريقَ إلى الفلسفةِ
مفتوحاً كمدنٍ مهزومة، عرفَ بالصدفةِ
أن صداقةَ الغيبِ تشبهُ لعبةً مع
ثعبانٍ أعمى، تعرّى ليخلقَ صلةً
بالروحِ في نهايةِ الحكايةِ، واستقرَّ
على صخرةٍ نهريّةٍ قبل أن يتضحَ مشهدُ
الصبحِ في دائرةِ الوقت التي لا
تنتهي.
نجمتُه التي اختارها، لم تكن تختفي
حين يفتحُ النهارُ زيّهُ البنفسجيّ،
لكنها سقطت فوقَ كتفِهِ كي تُخرِسَ
المشكّكينَ في نبوّتِه الحالمة،
الأرضُ تدورُ بين يديه في اتجاهٍ لا
تمسّه الليالي التي يغزلُها المنطقُ
الساذجُ للحياةِ.
دعاءٌ أخير تركَهُ في كتابِ الرحيل:
أيتُها الروحُ العظيمةُ
خذي صمتي أمنيةً لا تُساوَى
واعطني عاديّتي
لأستعيد قدرتي ورغبتي في الكلام
غزة
28 أيار 2009
شاعر من فلسطين |