|
لا تدع روحك
بلا أحبة
فريد
الدين العطار
(1155-1230) م
تخطيطات: خالد خضير
أهل الصورة غرقى بحار كلامي، وأهل
المعنى رجال أسراري
.
يا
خفياً في الروح وأنت خارجها، إن كل ما أقوله ليس أنت ، وهو أنت
أيضاً
.
ما تقوله ، ما تعرفه ، كله نابع منك ،
اعرف نفسك
فقط ، لأن هذا الأمر أكبر مائة مرة
منك
.
انثروا الأرواح وسيروا في الطريق.
وامضوا قدماً نحو تلك الأعتاب ، فلنا
ملك
بلا ريب يقيم خلف جبل اسمه قاف . إنه
(السيمرغ) ملك الطيور . بعيدون عنه
وهو قريب
.
تارجٌ للشجرة الشاهقة
.
ليس
قطراً هذا الطريق ، لكن أين الجَسور
الشجاع الذي يقدر
.
إذا كانت الوردة العديدة الوريقات
محبوبتي ، فليكن
الفقر وشاحي
.
من يحضن البحر يملك
القطرة . البحر فقط، والباقي هوس
وخيال
.
لماذا تركض
نحو القطرة ، وأنت في طريق البحر ؟
الفلك طست مقلوب ،
والطست يفيض كل ليلة بدم الشفق ، فاذا
مرت الشمس بسيوف أشعتها تساقطت كل
الرؤوس
المدببة في طستها
.
ينفطر القلب
شوقاً للماء . الحسرة تحتويني فما
العمل ؟
لست - ويا
للعجب - من أهل البحر . إنني أموت -
صادي الشفتين ، على شاطئ البحر . لا
قطرة ماء
أرتشفها ، مهما أرغى البحر وأزبد ،
وإن تناقصت قطرة من ماء البحر أحرقت
الغيرة
القلب . كفاني أن أعشق البحر ، فالعشق
بلغ المنتهى ، ولم يبق في الدنيا إلا
هموم
البحر
.
اشتعلت أرواحنا ، واشتعلت النار ،
والفراشة لا
تنفر من النار ، إنها لا تعيش مع
النار
.
لشعري فرادة
عجيبة ، يخلق ، كل حين ، معان جديدة
.
قلت هذا كثيراً
، إنما الطرقات يلفها السمت، ولا أحد
يزفر أنفاسه . ما أكثر الذين خبروا
سطح البحر
.
ولا أحد عرف ما بالقعر . الكنز في
القعر
.
السحر
في
البحر . حطم قيود السحر والجسد ، فإنك
لن تجد الكنز إلا حين تبطل السحر ،
والروح لا
ترتفع إلا حين يفنى الجسد
.
الروح تصبح الطلسم وجسد الغيب الجديد
.
أعبر
هذا الطريق ولا تسل عن منتهاه ، لا
تدع روحك
بلا أحبة
لا تبحث عن الجوهر ، إنه
ضرب من الحجر
.
كن جوهرياً دائماً
في الطلب
.
لا روح تسلو دون
الأحبة . إن كنت رجلاً . لا تدع روحك
بلا أحبة
.
كفاني : أنني عاشقة الحجر . أطوف فوق
الجوهر ، عشق
الجوهر يؤجج النار في الصدر . الدم
يتجمد في عروقي كحبات الحصى حين ينبعث
الشرر
.
الجمر يحمر كالدم حين تنطلق ألسنة
اللهب
.
عشق الكنز وعشق الذهب ضربٌ من الكفر
.
إن كنت قد ثملت من قطرة خمر
واحدة ، فكيف تستطيع منادمة الأبطال
في معاقرة الصهباء
.
أين محراب تلك الفاتنة ، لئلا أشغل
بغير الصلاة
.
كل من له قدم في العشق راسخة ،
قد تخطى الكفر والإسلام معاً
.
العاشق يشعل النار في كل بيدر
.
الوردة كاشفة أسراري . وعشق الوردة
أفقدني حياتي
كفاني : ما يكمن بالرأس
من عشق الوردة
.
كفاني : أن تكون معشوقتي هذه الوردة
.
البلبل لا يستطيع إدراك (السيمرغ) انه
يكتفي بعشق الوردة
.
بكومة ذهب تصادق الخلق، وبهذه الكومة
تكون لصاً
بكتفٍ موسوم
.
إن تعط مقدار حبة
ذهباً إلى صوفي ، فإما أنك تقتله بذلك
، وإما أنك تقتل بذلك نفسك.
عشقت الذهب، حتى صار هذا العشق جحيماً
في جسدي ، وعندما لا تكون في يدي
وردة الذهب . فإنني لا أستقر مثل وردة
متفتحة . فعشق الدنيا وذهبها جعلاني
مفعماً
بالإدعاء ، وبلا معنى
.
إذا كان الذهب لائقاً بمكانٍ
ما في النهاية ، فهو لائق بقفل فرج
البغل
.
كل من قطع الذهب الطريق عليه ، ضاع
.
إن كنت باحثاً عن السعادة في
هذا العالم ، أو مستسلماً للنوم .
كلاهما سواء
.
العمل هو تصديق الأمر
.
إذا لم يكن ممكناً البقاء طويلاً في
هذا السجن ،
فعليك بتخليص نفسك في الكل
.
يا من تجدين سعادتك في
الماء . الماء يحيط بروحك كما تحيط
النار بالماء . يا من تهنأين بالنوم
على الماء
.
قطرة ماء ستأتي وتسلب منك ماء الحياة
.
من لا طلب له ،
يظل أسير الحيرة
.
عندما تصل كنز
الجواهر ، ليكن حماسك في الطلب أكثر
توهجاً ، فالذي يقنع بالكنز والجوهر
يظل أسيراً
لهما . ومن تعلق بأي شيء في الطريق ،
صار صنماً له ، فليهنأ بصنمه
.
إن كنت واهب اللب ضعيفاً ،
فسرعان ما تصبح ثملاً ، فاقداً عقلك ،
فحذار ، ولا تسكر في النهاية بكأس
واحدة ، بل
داوم الطلب مادام الطلب لا نهاية له
.
كن رجل هذا الباب حتى يفتح لك ، ولا
تشح برأسك عن الطريق حتى يتضح لك
.
كان لأدم قلب شبع من كل قديم
.
لابد لهذا الطريق من إنسان كامل
، حتى يغوص في هذا البحر العميق
.
العشق نار ، والعقل دخان ، وما أن
يقبل العشق حتى يذهب العقل
.
ما العقل بأستاذ العشق، وما العشق
بوليد العقل
.
من قال لك ابتئس ؟
فمادمت تعرف الباب فامض إليه
.
وقل : لتظل مغلقاً ، فإن تكثر الجلوس
أمام الباب المغلق . فسيفتحه شخصٌ ما
بدون
أدنى شك.
يا للحسرة على ما
تحملناه من آلام الطريق . لقد قطعنا
الأمل من أنفسنا ، ولكن لم نقطع من
الهدف
المنشود
.
ليس سلطاناً من لم تنفذ
أفعاله في كل الأقاليم . والسلطان هو
من لا شبيه له
.
إن هؤلاء الفجرة الفسقة ، سائرون في
طريق المعنى
.
أيها الجهلة ، متى كان العشق
مستساغاً من سيئ الطوية ؟
لن يكون الحاكم شخصاً معيناً ،
فلتكن القرعة فيما بيننا ، وإذا أصابت
القرعة أي فرد ، فهو المقدم
.
أنا المضطرب الوله ، فانظر إلى
الحكمة التي تتولد من المحبة . إنها
تصنع الأفكار ، كما تصنع الرحمة . وفي
ليلة
حالكة السواد كجناح غراب ، ترسل حكمته
طفلاً ممسكاً بمصباح وهاج ، ثم ترسل
بعد ذلك
ريحاً عاتية ، وتقول لها : أطفئي
مصباحه وامضي.
ثم تمسك
بالطفل وسط الطريق ، قائلة له : لماذا
أطفأت المصباح أيها الجاهل ؟
الأنبياء دائماً في اضطراب ، أما أنا
فلا أستطيع
تحمل كل هذا ، فارفع يدك عني
.
إلهي ، لتفتح باباً أمامي في
النهاية
.
يا من تكترث ، هذا
الكلام ليس لك
.
لقد نثرت الورد
في هذا البستان ، فتذكروني بالخير ،
أيها الأصدقاء . ولكل إنسان ما يوافقه
في هذا
الكتاب . لقد تجلى لحظة وولى مسرعاً ،
ولا جرم أنني كالسالكين ، جلوت طائر
الروح
على النائمين.
ما أكثر ما أحرقت
نفسي كمصباح ، حتى أضأت الدنيا وكأنني
شمع ، وأصبح رأسي كالمشكاة في الدخان
، فإلام
يشعل شمعي المصباح ؟
.
حتى سليمان
العظيم وجه السؤال إلى نملة عرجاء بكل
مسكنه
.
أيها الثرثار لقد تكلمت كثيراً ، أصمت
، وابحث عن
الأسرار
.
يا عطار ، ألا تتكلم ؟
"منطق الطير
"
|